محمد أبو زهرة

5080

زهرة التفاسير

سبحانه وتعالى إيتاء موسى هذا الكتاب الذي يعد دستور الحكم لأرض مصر وغيرها ، ويقيد فرعون وغيره ، ويكفه عن طغيانه ، جاء موسى بهذا من عند اللّه تعالى في عصر لم يكن يعرف إلا حكم الطاغوت من فرعون وأشباهه من طواغيت أهل مصر ، لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ، أي رجاء أن يهتدوا إلى العمل الصالح ، وأن يعرفوا ما لهم من حقوق إنسانية ، وما عليهم من واجبات ، وتنظم بها العلاقات بين الناس على أساس من العدل والحق . ويجب أن ننبه هنا إلى أن الذي بين أيدينا مما يسمى كتب العهد القديم ليست هي توراة موسى ، بل نسوا حظا مما ذكروا به ، وزيد فيها أحاديث ما أنزل اللّه بها من سلطان بل هي أساطير الأولين . وبعد موسى جاء أنبياء ينفذون أحكام التوراة التي كانت صادقة ، كداود وسليمان وأيوب وغيرهم ، ثم جاء من بعدهم عيسى عليه السلام ، ولذا قال تعالى : وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ ( 50 ) . أي صيرنا ابن مريم وأمه آية ، أي معجزة خارقة للعادة ، وعرف عيسى بأنه ابن مريم لبيان أنه ليس له أب ، وأن مريم ولدته من غير أب ، وكان بذلك هو وأمه آية خارقة لمجرى العادات ، ذلك أن مجرى العادات في الأسباب والمسببات أن الولد يكون من نطفة توضع في رحم المرأة فيجىء الولد بإذن اللّه تعالى ، كما تبين في قوله تعالى : وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ( 12 ) ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ ( 13 ) إلى آخر الآيات الكريمات ، فكانت المعجزة في أن عيسى جاء من غير أب ؛ وذلك لإثبات قدرة اللّه تعالى وإرادته ، وأنه مختار فعال لما يريد ، ذلك أن الفلسفة الأيونية التي ظهرت في آسيا الصغرى ، وتولدت منها الفلسفة اليونانية كانت تؤمن إيمانا عميقا - ولو كان باطلا - بأن الدنيا وجدت بالسببية ، أي بوجود المعلول عن علة ، حتى قالوا إن الكون كله وجد عن السبب الأول بالعلة ، وبولادة عيسى من غير أب تبين أن اللّه فاعل مختار ، رزاق ، وهو ذو القوة المتين ، وكان عيسى عليه السلام وأمه آية خارقة للعادة ، فأمه - عليها السلام - حملت من غير نطفة ، وهو ولد من غير أب ، فكانت المعجزة في كليهما ، ومكونة منهما .